جلال الدين السيوطي
15
معترك الاقران في اعجاز القرآن
يذكرك بالقرب . وإن ذكرته بالإحسان يذكرك بالرحمة . وإن ذكرته بالاستقامة يذكرك بالأمن . وإن ذكوته بالقرض يذكرك بالتضعيف . وإن ذكرته بالفرائض يذكرك بالفلاح . وإن ذكرته بالخشية يذكرك بالفوز . وإن ذكرته بالاعتصام يذكرك بالنصر . وإن ذكرته في نفسك ذكرك في نفسه . وإن ذكرته في ملأ ذكرك في ملأ خير من ملئك . وإن ذكرته بالنوافل ذكرك بالمحبة . وإن تقرّبت إليه شبرا تقرّب منك باعا . وإن أتيته مشيا أتاك هرولة . وإن أتيته بقراب « 1 » الأرض خطيئة ولم تشرك به أتاك بمثلها مغفرة ؛ وهو الغفور الرحيم . وفي التوراة : يا ابن آدم أظهرت الذنوب معي وأخفيتها عن الخلق ، وأبديت الحسنات لخلقى ولم تخلصها لي ، وأكلت رزقي ولم تشكرنى ، وبارزتنى بالمعاصي ولم تستح منّى ، ولم تحذرنى ؛ أمّا ما أظهرت من الذنوب فقد غفرتها لك ، وما أتيت من الحسنات بغير إخلاص فقد قبلتها منك ، وما أكلت من رزقي ولم تشكرنى فلم أحرمك الزيادة ، وما بارزتنى به ولم تستح منى فأنا أستحى أن أعذّبك بعد شهادتك لي بوحدانيتى ، وأنا الغفور الرحيم . فتأمّل أيها العاصي هذه الكرامات التي أكرمك بها ، دعاك أولا بنفسه بقوله : واللّه يدعو إلى دار السلام ؛ من دار أوّلها بكاء ، وأوسطها عناء ، وآخرها فناء ، إلى دار أولها عطاء ، وآخرها لقاء ؛ وهي أحسن البنيان المسدس ؛ فإن اللّه خلقك مسدّسا ؛ فخمسة منها يدعوك إلى خمس جهات واللّه سادسهم : يدعوك من تلك الجهات كلّها إليه ؛ فالأمل يدعوك من بين يديك ، والشيطان يدعوك من خلفك ، والهوى يدعوك عن يسارك ، والشهوة عن يمينك ، والدنيا
--> ( 1 ) قراب الشيء بالكسر ، وقرابة ، وقرابته - بالضم : ما قارب قدره ( القاموس ) .